الجمعة، ٢٩ فبراير ٢٠٠٨

عم ( جابر ) البقال

الوقتُ كان صباحًــا ..
أتذكر هذا جيدًا رغم مرور كل هذه السنوات
زعاف النخيل ، وجريده ، كنّـا ننزعه من النخلة الصغبرة التي تتعدى هاماتنا القصيرة بقليل ، نربطه ونصنع منه سيوفًا وخوذات ، في حرب صغيرة نصنعها بينا
أعياد الطفولة
استعدادات الحضانة بالزينات ، والطراطير ، والفرقة الغنائية الصغيرة التي استضافتها الناظرة لصنع بعض البهجة ، دادة (عطيات ) كانت تجرى ورائي بالسندوتشات التي أوصتها أمي عليها ، وهي تضع في حقيبتها ورقة صغيرة
غريب أنني لازلتُ أذكر كل هذا ؟
المسرح الخشبيّ الصغير يتكون ببطء في الفناء ، فتستخدمه البنات في الاختباء وراءه وهن يلعبن ( الاستغماية ) ويتصايحن في جنون
سأتذكر هذا بشدة بعد عدة سنوات ، وأنا أقرأ ( الصياد الناشئ ) ، وفناء معسكر الإيواء ، الذي كان قضي فيه الطفل ( كيت ) ليلة بطولية ، ليحمي اللاجئين من إحدى هجمات الهنود الليلية .
كان عم ( جابر ) يسترق السمع من نافذة الفصل ، بينما أبلة ( سناء ) توصينا جميعًا بشراء الطراطير الملونة ، وبكرات الزينة ، لزوم الاحتفال غدًا بعيد الطفولة ، وكنت افكر بضيق وتوتر ، من أين سأشترى هذه الأشياء ، لا أعرف أحد يبيعها ، ولن أجد وقتًا كافيًا للبحث ، أفكر أنني سأتغيب غدًا عن الحضور ، أو أقضي باقي اليوم في البحث ، وغالبًا لن أجد ، أفكر في الموقف المحرج الذي سيحدث غدًا حينما سيأتي كل زملائي بهذه الأشياء السحرية بينما أفشل أنا
كان عم ( جابر ) يسترق السمع من نافذة الفصل ، وحين طلبت منه أبلة ( سناء ) بعض الفيشار في ( الفسحة ) أخبرها أنه سأتي بكل هذه الأشياء الملونة الرائعة غدًا ، وبأسعار بسيطة ، ومن بين حبّات الفيشار أخبرتنا أبلة ( سناء ) بالأمر .
نظرتُ وقتها لعم جابر ، كان الملاك السحرى ، الذي سيأتي لي بكل أحلامي الصغيرة ، وينشلني من كل الأشياء السيئة التي تكتنفني ، واشتريت منه الطراطير في اليوم التالي ، والزعانف الملونة
كان كشك خردوات عم جابر ، أشبه بالقلعة السحرية المدهشة التي تحوي كل أحلامي الصغيرة المجنونة ، كنت أشترى منه ( العسلية ) و السمسم ، وأكياس الكراتية ، وكنت أختبئ أحيانًا في كشكه ، حينما كنت ألعب الاستغماية ، وكانت الكرة الصغيرة تصر دائمًا على الطيران إليه كلما ركلها أحدنا ، ربما لتنعم بهذا العالم السحرى المختبئ خلف الألواح الخشبية الملونة
لا أعرف الآن ما مصير ( عم جابر ) ، كان هذا منذ أكثر من واحد وعشرين سنة ، وكان قد تعدى الستين من عمره بكثير وقتها ، لم أعرف منذ اللحظة التي تركت فيها الحضانة لأرحل إلى المدرسة الإبتدائية مصيره
وحينما أمر الآن على نفس المكان ، أجد شاب ملتح صغير يقف أمام كشك خشبي رخيص مهترئ ، في نفس المكان ، يقرأ الجريدة ، ويهش الأطفال من حوله ، كأنما يهش ذبابًا لزجا
تًـرى ، أين ذهب عالم ( عم جابر ) السحري ؟