السبت، ١٥ مارس ٢٠٠٨

عمليات دمج

في الحقيقة أعتقد أن الموضوع تأخر كثيرًا .
كان يجب أن يتم هذا الدمج منذ فترة طويلة نوعًا .
دمج جميع مدوناتي إلى هذه المدونة (
حياة جديدة ) . دمج ( حواديتي ) و ( من وراء النافذة ) و ( حياة جديدة ) إلى مدونة : ( حياة جديدة ) المدونة الأصلية ، التي اعتبرها بمثابة الوطن .
لنعتبرها مرحلة جديدة ، توافقت مع يوم ميلادي الخامس والعشرين .

الأحد، ٩ مارس ٢٠٠٨

محاولاتٌ غير مجدية

تهاجمني الذكريات بشراسةٍ .. وتغيم الدنيا أمام ناظري ، فتنز روحي بالدماء ، واتكور حول ذاتي .
**
أقف أمام باب القائد الكبير ، احاول اقناع قائدي بالصفح عن الجندي الذي تطاول عليه ، حينما سبه بأمه ، وأسهب في نشاطاتها الجنسية ، لكن الجندي المسكين كان مصيره السجن ثلاثة سنوات ، ولم تفلح توسلاتي .
**
جندي ٌ آخر وجدوه مقتولاً على قضبان القطار على طريق الصحراوي ، بعدما نهشت الذئاب كبده . وحينما رأيت جثمانه فهمت ما حدث ، لقد فر من الذئاب الجائعة وسط ظلام الليل لأحضان القطار الهائج الأعمى .
**
النوم تحت عجلات المدرعات ، وسط الصحراء والليل ، والتدثر بالأغطية المليئة برائحة الزيت والجاز .
**
العصابة التي تمثل النموذج المصغر لعصابةٍ أكبر اعتادت مص دماء مواطنيها ، وإلقاء الروث والفضلات لهم دون اكتراث .
**
أيام الهشيم ، والرماد ، في معسكرات التدريب ، وطلقات الرصاص التي تدوي كطلقات عمري الفائت ، ورئيس الأعمال الهامة الذي تلقيت عنه طلقة ً في جانب قدمي كانت ستطير جزءً هامًا وحيويًا في جسده ، وحين رد لي الجميل ، أرسلني إلى جحيم منطقةٍ ما ، كي يقوم بنشاطاته الحيوية .
**
النشاطات الموبوءة التي كانت تتم ليلاً ، وعلىّ تقبلها بنفس راضية ، وروح رياضية .
**
الاحتراق تحت شمس يوليو في أطراف الصحراء ، وعبء 50 إنسانًا ملقى على عاتقك وحدك . ولا تجد من ينفس عنك اختناق روحك . وحريقك الداخلى .
**
رحلات البحث المرهقة عن عملٍ بعد كل هذا ، وبعد أن فقدتَ الحماس للحياة نفسها .
السفر إلى بقاع الأرض المختلفة ، والخيانات التي قابلتها على مدار عمرك ، لم تكن هذه الخيانة أولها ، ولا آخرها . فقط هي تضيف مزيدًا من هذا الشعور المتصاعد بالاختناق في صدرك .
**
صديق كفاحك الذي كنت تقاسمه ذات السرير المزدوج ، سافر للخارج ، وتخلى عن جنسيته ، ويسعي للحصول على جنسية ٍ أخري ، يحدثك ، فترى سيل الغضب على البلد – واللي فيها – وقد انسلخ من روحه ، وغدا كائنًا أجمل بالتأكيد .
**
شوراع مدينتي العجوز التي تقيء ابناءها ، وتلفظ كل الكيانات الوليدة . حينما أسير فيها ، أحاول الانسلاخ عن ذاتي بدوري ، والاصابة بداء القيء الذي ينظف الروح ، ويغسل الجوف . أحاول .. لكنى أتلقى قيء المدينة ِ في جوفي . وأبتلعه صاغرًا .
**
تزدادُ الضغوط حولي .. ذنبٌ لم ارتكبه ، وعلى التكفير عنه بفقد روحي ذاتها .
حلمٌ ليس ملكي ، علىّ السعى لتحقيقه ، والزود عنه بكياني .
حبٌ اختنقت أوردته ، ولفظ دماه شهيدًا ، ولم تعد محاولات إعادته للحياة ممكنة . الموتى لا يستيقظون . لكن الطبيب العنيد ، لا زال يبث الصعقات الكهربية لصدره ، ولا يفهم أن ما يفعله هو التسهيل من مهمة الدود الذي سينخر في القلب ، بعد أن توارى الجثة التراب .
تهاجمنى الذكريات بشراسة .. ومن بين أشباحها يتبدى لي عن قربٍ كيانٌ جديد ، أضحى سعيدًا ، يعد نفسه لاحتلال العرش ، وامتلاك الصولجان .
تغيم الدنيا أمام ناظري ، فتنز روحي بالدماء ، ويغدو العالم في حمرته الشائهة ، كأوردةِ محتضرٍ امتلأت دماه بكل أمراض الحياة ، و لم تعد محاولات انقاذه مجدية.

مجرد حكاية تافهة

الموضوع كان تافهًا في الأساس ، مجرد مرح صبياني بيني وبين من كنت أعتبره صديقًا .
أخبرني أنه سيؤدي لي هذه الخدمة الطفولية ، بشرط أن أقدّر ثمنها وفقًا لذوقي .
نظرتُ له مستغربًا ، متضايقًا من تحول المزاح إلى هذا المنحنى ، أقسم لي أنه لا يمزح ، نظرت مصعوقًا له .
قال أنه سيؤدي لي هذه الخدمة التافهة والتي يراها كبيرة ( بفلوس ) ، قال أن لكل شيءٍ ثمنه ، وعلىّ تقدير الثمن المناسب ، قلتُ له أن الثمن هو الصداقة التي تجمعنا ، نظر لي كمن ينظر لمجنون ، وبابتسامة لم أر ما هو أكثر قسوة ، ولا أكثر سخرية منها قال ( صداقة ؟ ولا تسوى جزمة قديمة عندي ).
أعترف أن هذه كانت لحظة فارقة في حياتي ، تذكرتُ بها كل من لفظ صداقتي ، ومن لفظ الصداقة والحب ، من أجل ماديات أخرى ، ومصالح أخرى .
صديقٌ آخر قضيتُ معه فترة من أحلى فترات حياتي ، وأحببته بعنف ، لأكتشف فيما بعد أنني أعيش في وهم الصداقة وحدي ، أكلمه ، فيلفحنى صقيع كلماته ، وبرود مواقفه .
يتساقط الأصدقاء من حولى ، أو أكتشف مذهولاً زيف الأقنعة الجميلة التي ألبستها لمن حولى
المصيبة ، أن فرويد لم يخطئ حين أجزم بكل ثقةٍ أن طفولة الإنسان تتحكم في مسار حياته ، ومصيره .
لازلتُ أذكر قصة ( وفاء صديق ) التي قرأتها وأنا ابن العاشرة في مجلة تان تان ، كانت تحكى عن رجلٍ حُكم عليه بالإعدام ، وقبل إعدامه طلب أن يرى زوجته في البلدةٍ الأخرى أو أن يقوم بواجب أخير عليه في مكانٍ بعيد. لا أذكر تحديدًا .
شك القاضي في رغبته في الهرب ، فشرط أن يأتي بمن يضمنه ، حتى يرجع ، فإن لم يرجع أعدم ضامنه بدلاً منه ، وظن القاضي أنه بهذا أغلق كل الأبواب أمام المحكوم عليه بالإعدام . فلا هو رفض أمنيته الأخيرة ، ولا هو حققها له .
لكن صديق الرجل يقبل أن يضمن صديقه ، فيسجن مكانه ، ويطلق سراح الرجل ليذهب لمهمته التي حدد موعدًا مع القاضي لانتهائها ، فإن لم يرجع قبل الموعد ، أعدم القاضي صديقه.
كنتُ أقرءها وأن مشدوهًا ، مبهورًا من هذه المشاعر الرائقة النقية ، لقد عاد الرجل في اللحظة الأخيرة من مهمته ، على جوادٍ ثائرٍ ، صارخًا وهو في الأفق معلنًا عن عودته ، ليتلقى الحكم بإعدامه . ويطلق صراح صديقه الذي وثق فيه ، وحقق له أمنيته الأخيرة .
كانت تصيبني قشعريرة هائلة وأنا أقرأ هذه القصة ، وترتجف أوصالي من الانبهار ، راسمًا صورة الصداقة في خيالي الصغير ، كأنقي وأعمق واقوي العلاقات الانسانية .
لا يوجد معنىً للوفاء أكثر من هذا ، وفاء الصديق لصديقه الذي قبل أن يضع عنقه تحت سيف صديقه ليحقق له أمنيته الأخيرة في الحياة .
ووفاء الصديق الذي لم يفر بنفسه ، بائعًا صديقه ، في مقابل حياته هو . عاد لينقذ صديقه وهو يعلم ان الثمن هو حياته هو .
هذه المشاعر والزخم الإنساني الذي لا يوجد إلا في قصص الأطفال ، لقد عشتُ حياتي متخيلاً نفسي بطلاً من أبطال القصص المصورة . لكنني الآن أكتشف حقيقتي ، وحقيقة العالم حولي .
أحيانًا ، أتمنى لو كنتُ ولدتُ فجأة على هيئتي الآن ، ولم أمر بأي طفولة ، وكم تمنيتُ كثيرًا لو كنتُ متُ وأنا بعدُ طفلٌ صغير ، بأحلامي الغريرة ، فلم أر هذا العالم الأسود أبدًا
عالمٌ أختفي منه كل شيءٍ ، فلم يبق منه سوى لفظة ( أنا ) .
حتى أنا .!

السبت، ١ مارس ٢٠٠٨