تهاجمني الذكريات بشراسةٍ .. وتغيم الدنيا أمام ناظري ، فتنز روحي بالدماء ، واتكور حول ذاتي .
**
أقف أمام باب القائد الكبير ، احاول اقناع قائدي بالصفح عن الجندي الذي تطاول عليه ، حينما سبه بأمه ، وأسهب في نشاطاتها الجنسية ، لكن الجندي المسكين كان مصيره السجن ثلاثة سنوات ، ولم تفلح توسلاتي .
**
جندي ٌ آخر وجدوه مقتولاً على قضبان القطار على طريق الصحراوي ، بعدما نهشت الذئاب كبده . وحينما رأيت جثمانه فهمت ما حدث ، لقد فر من الذئاب الجائعة وسط ظلام الليل لأحضان القطار الهائج الأعمى .
**
النوم تحت عجلات المدرعات ، وسط الصحراء والليل ، والتدثر بالأغطية المليئة برائحة الزيت والجاز .
**
العصابة التي تمثل النموذج المصغر لعصابةٍ أكبر اعتادت مص دماء مواطنيها ، وإلقاء الروث والفضلات لهم دون اكتراث .
**
أيام الهشيم ، والرماد ، في معسكرات التدريب ، وطلقات الرصاص التي تدوي كطلقات عمري الفائت ، ورئيس الأعمال الهامة الذي تلقيت عنه طلقة ً في جانب قدمي كانت ستطير جزءً هامًا وحيويًا في جسده ، وحين رد لي الجميل ، أرسلني إلى جحيم منطقةٍ ما ، كي يقوم بنشاطاته الحيوية .
**
النشاطات الموبوءة التي كانت تتم ليلاً ، وعلىّ تقبلها بنفس راضية ، وروح رياضية .
**
الاحتراق تحت شمس يوليو في أطراف الصحراء ، وعبء 50 إنسانًا ملقى على عاتقك وحدك . ولا تجد من ينفس عنك اختناق روحك . وحريقك الداخلى .
**
رحلات البحث المرهقة عن عملٍ بعد كل هذا ، وبعد أن فقدتَ الحماس للحياة نفسها .
السفر إلى بقاع الأرض المختلفة ، والخيانات التي قابلتها على مدار عمرك ، لم تكن هذه الخيانة أولها ، ولا آخرها . فقط هي تضيف مزيدًا من هذا الشعور المتصاعد بالاختناق في صدرك .
**
صديق كفاحك الذي كنت تقاسمه ذات السرير المزدوج ، سافر للخارج ، وتخلى عن جنسيته ، ويسعي للحصول على جنسية ٍ أخري ، يحدثك ، فترى سيل الغضب على البلد – واللي فيها – وقد انسلخ من روحه ، وغدا كائنًا أجمل بالتأكيد .
**
شوراع مدينتي العجوز التي تقيء ابناءها ، وتلفظ كل الكيانات الوليدة . حينما أسير فيها ، أحاول الانسلاخ عن ذاتي بدوري ، والاصابة بداء القيء الذي ينظف الروح ، ويغسل الجوف . أحاول .. لكنى أتلقى قيء المدينة ِ في جوفي . وأبتلعه صاغرًا .
**
تزدادُ الضغوط حولي .. ذنبٌ لم ارتكبه ، وعلى التكفير عنه بفقد روحي ذاتها .
حلمٌ ليس ملكي ، علىّ السعى لتحقيقه ، والزود عنه بكياني .
حبٌ اختنقت أوردته ، ولفظ دماه شهيدًا ، ولم تعد محاولات إعادته للحياة ممكنة . الموتى لا يستيقظون . لكن الطبيب العنيد ، لا زال يبث الصعقات الكهربية لصدره ، ولا يفهم أن ما يفعله هو التسهيل من مهمة الدود الذي سينخر في القلب ، بعد أن توارى الجثة التراب .
تهاجمنى الذكريات بشراسة .. ومن بين أشباحها يتبدى لي عن قربٍ كيانٌ جديد ، أضحى سعيدًا ، يعد نفسه لاحتلال العرش ، وامتلاك الصولجان .
تغيم الدنيا أمام ناظري ، فتنز روحي بالدماء ، ويغدو العالم في حمرته الشائهة ، كأوردةِ محتضرٍ امتلأت دماه بكل أمراض الحياة ، و لم تعد محاولات انقاذه مجدية.