
منذ اللحظة الأولـــي من دخولي مقر العمل ، لاحظت هذه الظاهرة الغريبة
توقفتُ أمامها مندهشــًا جدًا .. متعجبًا .. وقلتُ في سري : هذا هو سبب بطالة الشباب إذن ، لو أرادوا حلاً للمشكلة لأحالوا كل هذه النساء التي تملأ المكايت والوظائف إلى المعاش ، في سن الأربعين
وتوقفت ناظرًا في دهشة لهذه الدولة التي اختلت لديها الموازين
الشباب الواعد ، حديث التخرج ، الذي يمتلأ قوة وحماسًا ، ورغبة في العطاء والأخــذ ، وحلمًا يكاد يكون مستحيلاً في تحقيق الذات ، لكنه يجلس على المقاهي ، باحثًا عن فرصة عمل ، لا تأتي ، ولن تأتي ، وينفث طاقته في الجلوس على المقاهي ، وتنفيث سحب الدخان المكتنزة بما لذ وطاب
وربما يتسلل أحدهم مع احتياجاته إلي استغلال الأخرين ، وربما يفضي به الأمر إلي السرقة والاغتصاب ، واقتناص فرص النصب والاحتيال والاتجار في كل شيء ، ربما في ذاته نفسها
بينما هنا تجلس النساء قي أماكن العمل ، لا تفعل شيء أكثر من تناول الإفطــار صباحًا ، ثم تناول وجبة ما بعد الإفطار ظهرًا ، ثم وجبة ما قبل الغداء عصرًَا ، تمهيدًا لخروجها من العمل
يقضين كل الأوقات في الحديث عن البيت ومشاكله ، وعن الأولاد وتعذيبهم الجهنمي لهن ، هذا بالنسبة للمتزوجات ، وهن قلة جدًا في الحقيقة
أما غير المتزوجات ، وهن أكثر فئة متواجدة ، وكلهن تجاوزن سن الزواج الطبيعي ، واقتربن من الخامسة والأربعين بخطي واثقة . 

لكن كان هناك قرار وحيد بداخلي .. أن أعرف هؤلاء أكثر
المدام ( ر ) ، تتقرب لي أكثر من اللازم ولا أعرف السبب ، إذن هذا هو طرف الخيط الذي لابد من جذبه حتى آخر أطرافه
فيما بعد ، وبعد حديث طويل فهمت انها تريدني لإبنتها ، وذات مرة - بعد اكتشافي الصغير هذا - سمعتها تقول للمدام ( ح ) زميلتها في ذات الحجرة التي أعمل بها معظم الوقت : العرسان دلوقتي مش بيتقدموا يا (ح ) ، الرجالة عشان تتجوز لازم تتخطف
وانطلقت مني ضحكة في اعماقي ، وتساءلت بسخرية : أين أنا ، هل تحولنا هكذا فجأة ؟
وفي خضم محاولات المدام ( ر ) المستميتة لإقناعي بضرورة أرتباطي ، لأني لن أحيا حياتي كراهب ، ولا بد من امرأة و ... و ... و ... و
سقتها إلي الجانب الذي أريده ، كيف صار هذا المكان يحوي ما يقرب من مائتي عانس ، كلهن تجاوزن الأربعين والخامسة والأربعين ؟
الآنسة ( ن) ، لم تكن جميلة بما يكفي ، وكانت مشاكسة ، وذات شخصية مسيطرة متسلطة ، هكذا هجرها الرجال
الآنسة ( س) جميلة فعلاً ، لكنها كانت مغرورة بجمالها ، رفضت أكثر من عريس لأنه يرفض فكرة عمل المرأة ، وهي تصر على العمل ، لأنه حياتها ومستقبلها ، وإثبات ذاتها ، وحصنها الذي تطمئن إليه فلا تجد أنها في لحظة في حاجة إلي مال رجل ، حتي لو كان هذا الرجل هو زوجها ، الذي فرض الله عليه توفير كل سبل الإعاشة المناسبة لزوجته ، هكذا لم تفق لنفسها إلا وهي ابنة الخامسة والثلاثين ، وقد ترهل جسدها ، دون أن يلجه رجل ( كان هذا هو تعبير المدام"ر" )
الآنســة ( م ) كانت متسلطة ، تبدل خطّابها كما تبدل ملابسها ، و لا ترضي بأحد ، وتبحث باستمرار عن شخص معين ، ربما كانت رومانسية ، لكن هو ذا ما أفضي إليه رومانسيتها
لكن ما لاحظته فيما بعد ، أن معظم العوانس ، لم يتزوجوا لأن لهم ذات موقف الآنسة ( س ) ، وهو المقارنة بين الزواج والعمل ، ثم ترجيح كفة العمل
من هنا يبدأ الصراع ، ويبدأ اختلال الموازين ، العوانس الذين تقلدوا مفاتيح العمل بسبب انوثتهن المطلوبة لترطيب جو العمل ، (قبل أن تتعفن تلك الأنوثة الناضجة ) ، فظلوا في أماكنهم ووظائفهم إلى ما شاء الله
وبين الجيل الجديد ، الذي يتناثر في الشوارع ، والذي سينتقي منه اصحاب العمل الإناث ، الذين يصرون على العمل ، ويتحولوا في النهاية إلي عانسات ترهلت انوثتهن دون فائدة
والسؤال الذي يطرح نفسه ، هل سيستمر هذا فعلاً ؟
لو خُيرتِ سيدتي بين العمل ، والزواج فأي شيءٍ ستختارين ؟
هناك تعليق واحد:
نعم الزواج بالمرئة التي تحب العمل وتحب مساعدت زوجها وهاده الخاصية جعلتها السن النبوية جهاد لقد كانت النساء يساهمن في الجهاد بكل جهد وقدرة وفي زمننا نحن احوج ما نكون لهدة المساعدة التي لايخالجها خضوع او بهتان و العمل في هاد الزمان يعد جهاد لعدم توفره الا بالقلة
إرسال تعليق