الجمعة، ٨ يونيو ٢٠٠٧

افتتاحية ، تأخرت قليلاًـ


كل طرق العالم تؤدي إلى قلب الفارس؛ إنه يرتمي دون تردد، في نهر العواطف الذي يعبر حياته.
يدرك الفارس أنه حر في اختيار ما يرغب فيه؛ قراراته يأخذها بشجاعة، ولامبالاة، و ـ أحيانا ـ بقدر من الجنون.
يرضى بعواطفه و يبتهج لها إلى أقصى حد. يدرك أنه ليس ضروريا أن يتخلى عن الحماسة للفتوحات؛ فهي جزء من الحياة، و تبهج كل من يشارك فيها.
لكنه يضع نصب عينيه الأشياء الدائمة و الأواصر المتينة التي نشأت عبر الزمن.
الفارس يعرف التمييز بين العابر و الأزلي


******

يحترم فارس النور الدرس الأساسي لـ ( أي شينغ) : " المواظبة هي الأفضل."
يعرف أن المواظبة غير العناد. هناك فترات تطول فيها المعارك أكثر من اللازم، مستنفدة قوته و مضعفة حماسته.
في تلك الأوقات، يفكر الفارس:" إن حربا مُمدّد في عمرها، تدمر، في خاتمة المطاف، حتى البلاد المنتصرة."
حينذاك، يسحب قواته من ساحة المعركة، مانحا إياه استراحة. يحافظ على قوة إرادته، بيد أنه يعرف متى تأتي اللحظة الأمثل للقيام بهجوم جديد.
يعود دائما الفارس إلى الصراع. يفعل ذلك ليس أبدا بدافع قلق بل لأنه يلاحظ أن الوضع تغير.


******

يسجل فارس النور بيقين تام، أن هناك لحظات تكرر نفسها.
غالبا ما يجد نفسه في مواجهة مشكلات و مواقف سبق له أن واجهها. فيشعر لحظتها بالإحباط.
و يتصور نفسه عاجزا عن التقدم في الحياة، مادامت نفس الصعوبات قد عادت من جديد.
و يشتكي لقلبه:" لقد مررت بكل ذلك من قبل.".
فيرد عليه قلبه: " حقيقة أنت عشت كل ذلك، لكن لم تتجاوزه أبدا.".
و عندئذ يدرك فارس النور أن تكرار التجارب لها هدف وحيد: تلقينه ما لم يتعلمه بعد

******

يقوم فارس النور دائما بحركات تخرج عن المألوف والمعتاد.
يمكنه أن يرقص في الشارع و هو متجه إلى عمله. أو أن يحدق في عيني شخص غريب والتحدث عن الحب من أول نظرة. أو أن يدافع عن فكرة تبدو سخيفة. فارس النور يسمح لنفسه بمثل هذه الأشياء.
لا يخشى البكاء مسترجعا أحزانا قديمة، أو الابتهاج لاكتشافات جديدة. عندما يشعر أن الوقت حان، يترك كل شيء ، و ينطلق إلى المغامرة التي طالما حلم بها. و حين يشعر أنه أعطى كل ما في طاقته من صمود، ينسحب من المعركة، دون الشعور بتأنيب ضمير لاقتراف حماقة أو حماقتين لم يكونا متوقعين.
فارس النور لا يقضي أيامه محاولا لعب الدور الذي اختاره له الآخرون

******

نظرة فارسي النور تتوهج بوميض خاص. إنهم في العالم، وهم جزء من حياة الآخرين، ينطلقون في رحلتهم حفاة ، بلا نعال أو زاد، وغالبا ما يحدث لهم أن يكونوا جبناء، ولا يتصرفون دائما التصرف الصحيح.
يتألم فارسو النور لأتفه الأسباب، لديهم تصرفات وضيعة، و يشهدون أحيانا على أنفسهم أنهم غير قادرين على مسايرة التطور، وأحيانا يرون أنفسهم غير جديرين بأية بركة أو معجزة.
لا يعرفون على وجه اليقين ما يفعلون هنا. غالبا ما يقضون ليال بدون نوم، معتقدين أن حياتهم لا معنى لها.
لهذا السبب هم فارسو نور.لأنهم يخطئون. لأنهم يتساءلون. لأنهم يبحثون عن سبب ـ و الأكيد أنهم يجدونه

******

يتذكر فارس النور، في كل لحظة، مقطعا لـ " جون بونيان"*:
" رغم كل ما اجتزته من عقبات و مررت به من محن، فأنا غير نادم على الصعوبات الكثيرة التي واجهتها، لأنها هي التي قادتني إلى المكان الذي رغبت الوصول إليه. و الآن، و باقتراب النهاية، كل ما أملكه هذا السيف و سأمنحه لمن يريد مواصلة الطريق إلى حجه. أحمل معي علامات و ندوب المعارك ـ هي الشواهد على ما عانيت و المكافآت على ما أنجزته من فتوحات.
" هذه العلامات و الندوب العزيزة هي التي ستفتح لي أبواب الجنة.
هناك زمان، قضّيت حياتي أسمع فيه حكايات الشجاعة و البطولة.
هناك زمان عشت فيه فقط لحاجتي إلى العيش.
لكني الآن أعيش لأني فارس، و لأني أتمنى أن يأتي يوم أكون فيه صحبة ذاك الذي قاتلت من أجله بضراوة

******

فارس النور يقاسم الأشخاص الذين يحبهم عالمه.و يحثهم على تحقيق رغباتهم إلا أنهم لا يملكون الجرأة.في أوقات كهذه، يظهر الشر حاملا لوحين.مكتوب على أحدهما:" فكر مليا في نفسك. احتفظ بنعمك لذاتك و إلا انتهيت بفقد كل شيء."و يقرأ على الآخر: " من تكون أنت لتساعد الآخرين؟ أ لا ترى عيوبك الخاصة؟"لا يجهل فارس النور عيوبه، لكن يعرف أيضا، أنه لا يستطيع أن يكبر لوحده بمنأى عن صحبه.لذا، يلقي باللوحين أرضا حتى وإن اعتقد أنهما يجملان قدرا من الحقيقة.يسقطان متحولين إلى غبار، ويواصل الفارس مساعدة المقربين إليه

*********


من دليل فرسان النور

لـ باولو كويليو

ليست هناك تعليقات: